الاستذكار الجيد وأثره في التفوق الدراسي




كثير من الأطفال لديهم استعداد وراثي عالٍ للتفوق، ولكنه يضيع نتيجة عدم اكتشاف هذا الاستعداد أو توفير البرامج التربوية
من شروط عملية التعلم: التكرار، ولكنه التكرار الواعي المستنير القائم على فَهْم المادة واستيعابها

مما لا شك فيه أننا في عصر العلم، وأن الثروةَ الحقيقية في وقتنا الحاضر هي الثروةُ العلمية، كما أن الدولَ المتقدمة لم تصِلْ إلى ما وصلتْ إليه إلا بفضل تقدُّمها العلمي، وتفوُّق علمائها وابتكاراتهم، وكثير منا يعلم أن التعليم هو المصعد الاجتماعي الصحيح الذي يصعد عليه الفردُ إلى الطبقات الاجتماعية العليا، وهو سبيلٌ شريف في الارتفاع والتمتع بالمكانة الاجتماعية المرموقة، وهو فوق ذلك يؤدي إلى شعور الفرد بالثقة في نفسه، واكتمال عناصر شخصيته، واحترام الناس له، ولن يحدث ذلك إلا إذا كان الشخصُ متفوقًا.
وإذا نظرنا إلى التفوق نجد أنه يحتاج إلى درجة عالية من الذكاء، كما أنه لا بد من توافر بيئة ملائمة لظهور التفوق؛ فكثير من الأطفال لديهم استعداد وراثي عالٍ للتفوق، ولكنه يضيع نتيجة عدم اكتشاف هذا الاستعداد أو توفير البرامج التربوية التي تشجعه وتنمِّيه؛ نتيجة للقصور في النظام التعليمي الذي لا يساعد على اكتشاف الموهوبين في المراحل الأولى، ورعايتهم حتى تظهر الموهبة في صورة تفوُّق في مجال أو مجالات عدة، على حسب استعداد الطفل؛ حيث يرى كثير من العلماء أن الموهبة وراثية تحتاج إلى التفوق، وإذا لم تتوافر لها الظروف البيئية، فإنها تظل كامنة، ولا تظهر في صورة تفوق؛ فالتفوق يدل على وجود موهبة؛ فكل متفوق موهوب، وليس كل موهوب متفوقًا، بمعنى أننا قد نجد أحد أبنائنا لديه موهبة التلوين أو الرسم، لكنه ليس متفوقًا دراسيًّا.
ما المقصود بالتفوق الدراسي؟
- وجد المتخصصون في المجالات التربوية والتعليمية حيرةً في تحديد المقصود بالتفوق، فهناك من يرى أن التفوق هو أعلى نسبة من الذكاء، وهناك من رأى أن التفوق هو أعلى درجة في التحصيل الدراسي، ومن هذا نجد أنه يمكن تعريف التفوق على أنه أعلى نسبة في الذكاء والتحصيل والقدرات والابتكار وغيرها.
المكونات الأساسية للتفوق:
يرى كثير من العلماء أن هناك ثلاثة مكونات أساسية للتفوق، لا تنفصل عن بعضها البعض، وهي: الاستعداد للتفوق، والبيئة الفاعلة لظهور التفوق، ومهارات التفوق.
1- الاستعداد للتفوق:
يحتاج التفوق إلى أن يكونَ الطفل لديه استعداد للتفوق؛ فالوراثة تلعب دورًا كبيرًا في التفوق، مثل: عدد الجينات المسؤولة عن المخ، والتشابكات العصبية، والبنية الجسمية.
2- توافر بيئة التفوق:
فلا بد من توافر بيئة تربوية تساعد على ظهور جينات التفوق الكامنة لدى الفرد.
3- مهارات التفوق:
فإذا توافرت هذه البيئة فإن سلوك التفوق سوف يظهر بصورة كبيرة وواضحة، وكلما زادت بيئة التفوق زادت فرصة عمل الجينات، وعندما تتوافر البيئة المثالية للتفوق يتم عمل الجينات بصورة كاملة أو مثالية.
- من الأطفال الفائقون؟
- الأطفال الفائقون هم أولئك الأطفال الذين يحصلون على درجات مرتفعة وملحوظة من بين أقرانهم، كما أنهم يتميزون عن أقرانهم بالقدرة العقلية العامة، ويكون لديهم خصائص سلوكية تدل على تميزهم تميزًا ملحوظًا في مجالات مختلفة.
خصائص الأطفال الفائقين:
يتميز الأطفال الفائقون بمجموعة من الصفات الخاصة التي تميزهم عن الأطفال العاديين، والتي من المهم التعرف عليها؛ حتى يسهل علينا التعاملُ معهم؛ حيث نجد أن الطفل الفائق:
- يحتاج لفترات نوم أقل من أقرانه، كما أن لديه مستوى عاليًا من النشاط والحركة.
- يتمتع بصحة جيدة، وطاقته في العمل أعلى من أقرانه.
- لديه بنية جسمية ملائمة، كما أنه متوازن في حركته.
- ذكاؤه مرتفع.
- لديه قدرة على تكوين المفاهيم العلمية والرياضية والاجتماعية واللغوية، بسرعة وسهولة.
- لديه القدرة على التركيز في الأنشطة لفترة طويلة.
- يتميز بكثرة الأسئلة.
- النمو اللغوي والقراءة والكتابة في سن مبكرة.
- يتعلم بسهولة ويُسر.
- لديه قدرة أكبر على توليد الأفكار بكمية كبيرة ومتنوعة.
- يميل لتكوين علاقات جيدة مع أقرانه في نفس مستوى الذكاء.
- يحظى بقَبول اجتماعي كبير.
- لديه قدرة عالية على قيادة أقرانه العاديين.
- متعاون مع زملائه ومعلِّميه.
- أكثر اعتمادًا على نفسه من الأطفال العاديين.
- أقل إصابة بالأمراض النفسية من الأطفال العاديين، ولكن قد يتعرض للاكتئاب إذا ما أُهمِل من المعلِّمين والمجتمع.
- لديه مستوى قلقٍ عالٍ.
- لديه حساسية شديدة لما يدور حوله في محيطه الأُسري والمدرسي.
وعمومًا فقد أكدت الدراسات أن الأطفال الفائقين أسرعُ في نموهم الجسمي والعقلي والاجتماعي.
شروط الاستذكار الجيد:
مما لا شك فيه أن عملية التحصيل المعرفي أو الاستذكار لها دور مؤثر ومهم في عملية التفوق الدراسي، وعملية الاستذكار ليست عملية آلية أو ميكانيكية بحتة، وإنما هي فنٌّ من الفنون الذهنية، له أصوله وقواعده؛ فلعملية التحصيل الجيد أو الاستذكار الجيد شروطٌ، منها:
- يجب أن يحب الطالب مادته العلمية؛ فمن المعروف سيكلوجيًّا أن الإنسان لا يشعر بالتعب والإرهاق إذا كان يحب عمله ويشعر بالرضا نحوه.
- توافر الدافع أو الحماس لدى الفرد لبذل الجهد والطاقة والعمل الجاد والموصول، وعلى الطالب أن يخلق في نفسه هذا الدافع، بحيث يكون التشجيع والتعضيد نابعًا من ذاته.
- التكرار؛ فمن شروط عملية التعلم: التكرار، ولكنه التكرار الواعي المستنير القائم على فَهْم المادة واستيعابها، وليس التكرار الآلي الأصم الأعمى؛ فلكي تحفظ سورة من القرآن لا بد من تكرارها عدة مرات حتى ترسخ في الذهن.
- لا بد من توزيع الجهد المطلوب، فمثلاً لحفظ درس معين لا بد من توزيع الجهد على عدة جلسات أو فترات بدلاً من الجهد المركز في جلسة واحدة؛ ذلك لأن تخلل لعملية الاستذكار فترات من الراحة أو الاستجمام يؤدي إلى ثبات المادة المتعلَّمة.
- لا بد أن يبذل الطالب كثيرًا من الجهد؛ فالجهد الذاتي الذي يبذله المتعلِّم يلعب دورًا أساسيًّا في نجاح عملية التعليم.
- فَهْم معنى المادة المتعلمة فهمًا جيدًا.
ومن هذا نجد أن التحصيل الدراسي نشاطٌ قومي ووطني واجتماعي وعلمي، ينفع صاحبَه بقدر ما ينفع الوطن كله؛ ولذلك فعلى أبنائنا أن يبذلوا الجهد لاكتساب المعرفة.



اعداد: د. سامية عطية نبيوة